خليل الصفدي

275

أعيان العصر وأعوان النصر

سقته بألطف أندائها * وأغزرها ساريات الغمام فإنا للّه وإنا إليه راجعون قول من غاب شهابه ، وآب التهابه ، وذاب قلبه ، فصار للدمع قليبا ، وشهاب فوده لمّا شبّ جمر فؤاده ، ولا غرو فيومه جعل الولدان شيبا ، فيا أسفي على ذلك الوجه الملّي بالملاحة ، واللسان الذي طالما سحر العقول ببيانه ، فصاحت : يا ملك الفصاحة واليد كم روّضت الطروس أقلامها ، وأنشأت أسجاعا لم تذكر معها بانات . ولا حمامها ، وكأنّ أبا الطيّب « 1 » ما عنى سواه بقوله : ( البسيط ) تعثّرت بك في الأفواه ألسنها * والبرد في الطّرق ، والأقلام في الكتب فرحم اللّه ذلك الوجه ، وبلّغه ما يرجوه ، وضوّاه بالمغفرة « يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه » لقد فقد المجد المؤثل منه ركنا ، تتكثر به الجبال فما تقلّه ولا تستقلّه ، وعدمت الآداب منه بارعا ، لو عاصره الجاحظ ما كان له جاحدا ، أو البديع علم أن ما فضّ له فضله ، وغاب من الإنشاء منه كاتب ليس بينه وبين الفاضل ، لولا أخوه مثله أترى ابن المعتزّ « 2 » عناه بقوله : ( السريع ) هذا أبو العبّاس في نعشه * قوموا انظروا كيف تزول الجبال وما يقول المملوك في البيت الكريم إلّا إن كان قد غاب بدره ، وأفل شهابه أو غاص قطره ، وتقشّع سحابه ، فإنّ نيّره الأعظم باق في أوجه ، وبحره الزاخر متلاطم في موجه ، وفي بقاء مولانا خلف عمّن سلف ، وعوض عما انهدم ركنه وانقضّ ، وجبر لمن عدك الجلد والصبر ، واللّه يمتع المسلمين بحياته ، ويجمع لديه بين ثوابه وثباته ؛ لأنه قد عاش الدرّ المفدّى بالذهب ، وأضاءت شمس المعالي إن كان قد خمد اللهب : ( السريع ) علم اللّه كيف أنت فأعطا * ك المحلّ الجليل من سلطانه جعل الدّين في ضمانك والدّن * يا فعش سالما لنا في ضمانه وقد نظم المملوك قصيدة في رثاء المشار إليه ، وجعل قوافيها تبكيه ، وألفاظها تنوح عليه ، وهي : ( الكامل )

--> ( 1 ) سبق ذكر ترجمة له . ( 2 ) ابن المعتز هو : عبد اللّه بن محمد المعتز باللّه ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد العباسي أبو العباس الشاعر المبدع ولد عام 247 ه ، وتوفى عام 296 ه ، أولع بالأدب فكان يقصد فصحاء الأعراب ويأخذ منهم وصنف كتبا كثيرة منها « الزهر والرياض » و « البديع » و « الآداب » والجماع في الغناء . وغير ذلك . ( انظر : نفح الطيب : 1 / 166 ، وابن خلدون : 4 / 132 ، وابن الأثير : 8 / 24 ) .